بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله المنزه عن كل نقص الموصوف بكل
كمال ، الذي جعل القرآن مكتوبا في اللوح
المحفوظ ، القائل في كتابه العزيز ( إنه
لقرآن كريم * في كتاب مكنون * لايمسه إلا
المطهرون ) ، والصلاة والسلام على النبي
الأمي الكريم سيدنا وحبيبنا وقرة أعيننا
وقدوتنا محمد بن عبدالله الذي أخبرنا أن (
العلماء ورثة الأنبياء ) ، والذي اصطفاه
ربه واجتباه ، وخصه برؤياه ، فرآه بعيني
رأسه ، ( ما كذب الفؤاد ما رأى ) ، فيالها
من مزية عظيمة ، ونعمة كبرى ، وعلى آله
وأصحابه والتابعين وتابع لهم بإحسان إلى
يوم الدين .
أما بعـــــــــــد /
فإن أكثر ما تكون نكبة هذه الأمة ممن
ينتسبون إليها من الجهال والمتعالمين
الذين يتطاولون على علماء الأمة وأكابرها
وساداتها ، فيرمونهم بالبدعة والفسق
والكفر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي
العظيم .
ولقد خرج علينا ( متعالم ) هنا في
الساحة الإسلامية سمى نفسه ( أبا ريان
الطائفي ) بفتاوى تكفيرية دموية في أكثر
من مقال متخبطا متكبرا مصرا على التكفير
واستحلال الدماء، رغم تحذيره من مغبة ذلك
، وأن من كفر مسلما فقد كفر ، ولكن لا
حياة لمن تنادى فقد ملأ الكبر أنفه والحقد
قلبه فما ازداد إلا غيا ، فقال في مواضع
مختلفة :
(1 ) ومن اعتقد أنه اطلع على اللوح
المحفوظ فهو كافر وإن كان ابن تيمية نفسه
! ) .
(2)( نعم من زعم أنه يعلم ما في اللوح
المحفوظ كافر حلال الدم بل هو أحد رؤوس
الطواغيت ، ومن اعتقد أن شخصاً يعلم ما في
اللوح المحفوظ فهو كافر حلال الدم .) .
(3)( فمن زعم أن أحداً (يطلع ) على
اللوح المحفوظ ، أو افترى بأن الله تعالى
(يُطلعه ) على اللوح المحفوظ ، فهو كافر
كاذب حلال الدم ، ومثله لا يصدق ولا يكذب
وإنما يقال عنه كافر ولو وقع ما قال !! ،
رضي من رضي وسخط من سخط ) .
(4)( فمن اعتقد أن أحداً قادرٌ – كوناً
وقدراً – أو مأذونٌ له – دينا وشرعاً : أن
يطلع على اللوح المحفوظ فهو كافر لمصادمته
القرآن والسنة وإجماع المسلمين باستئثار
الله تعالى بعلم الغيب واللوح المحفوظ منه
).
فانظر إلى كبره وهو يقول : ( ولو وقع
ما قال !! ، رضي من رضي وسخط من سخط ) ،
وقد تعود العلماء أن يختموا فتاويهم
بقولهم : ( والله أعلم ) ، وإلى تطاوله
على العلماء وهو يقول : ( وإن كان ابن
تيمية نفسه ! ) ، وإلى تخبطه وهو يقول : (
من اعتقد أنه اطلع ) ثم ( من زعم أنه يعلم
) .
وهذا ( المتعالم ) المتكبر يدعي (
إجـــمـــــــاع المسلمين ) على صحة
فتاويه ، وأن في مخالفة فتاويه مصادمة
للقرآن والسنة ، والويل والثبور لمن
يخالفه فهو كافر حلال الدم أهبل أخطل يسلب
الله فرديته وأحديته بعلم الغيب وعلم
اللوح المحفوظ ، وينتقص الله تعالى ويسلبه
حقه في هذا التفرد ، وأنه لو جاز أن يطلع
أحد على اللوح المحفوظ لما كان محفوظا ،
وغير ذلك كثير من التقول على الله بغير
دليل قطعي ، ولا حول ولاقوة إلا بالله
العلي العظيم . ويدعي الاجتهاد وهو لا
يفرق بين الضاد والظاء كأمثاله من العوام
فيقول ( كمدا وغيضا ) بدلا من ( كمدا
وغيظا ) ، ولا أدري أيصلي إماما أم مقتديا
بضاده الظاء هذه !! ، ويجر المفعول به كما
في قوله : (وإنما ينتصرون لأهوائهم ،
ويتبعون أوليائهم ) والصحيح ( أولياءهم )
، ويظن أن قوة الأسلوب وجمال العبارة في
التزام السجع ومراعاة المحسنات البديعية
وإن كان في ذلك إضاعة للمعنى وتكلف مفضوح
، وإطناب مبغوض ، وهذا غيض من فيض فأنى
لمثل هذا أن يفتح فاه في مجالس العلماء لا
ادعاء الاجتهاد والتفرد بالفتاوى والأحكام
.
فأحببت أن آتي ببعض أقوال أكابر علماء
هذه الأمة حول هذه المسألة ، ولست هنا
مقررا لجواز الاطلاع على اللوح المحفوظ ،
ولكن منكرا لتكفير من قال بجواز ذلك أو
ادعاه واستحلال دمه ولا حول ولاقوة إلا
بالله العلي العظيم ، وداحضا لدعوى
الاجماع الباطلة ومصادمة القرآن والسنة ،
وسأبدأ طالبا عون الله ونصرته بأقوال
الإمامين الجليلين الإمام ابن تيمية –
رحمه الله - ، وسلطان العلماء الإمام العز
بن عبدالسلام – رحمه الله - .
أولا : عقيدة
الإمام ابن تيمية – رحمه الله :
يوضح ابن تيمية – رحمه الله – في ( شرح
العمدة في الفقه ) عقيدته وعقيدة أصحابه (
الحنابلة ) في مسألة الاطلاع على اللوح
المحفوظ ، ويبين أن بعض الملائكة يطلعون
على اللوح المحفوظ ، إذ يقول – رحمه الله
- :
( وقد احتج كثير من أصاحبنا على ذلك
بقوله تعالى : (لا يمسه إلا المطهرون) كما
ذكرنا عن سلمان ، وبنوا ذلك على أن (
الكتاب ) هو المصحف بعينه وأن قوله : (لا
يمسه) صيغة خبر في معنى الأمر لئلا يقع
الخبر بخلاف مخبره ، وردوا قول من حمله
على الملائكة فإنهم جميعهم مطهرون
وإنما يمسه ويطلع
عليه بعضهم .
والصحيح اللوح المحفوظ الذي في السماء
مراد من هذه الآية ، وكذلك الملائكة
مرادون من قوله ( المهطرون) لوجوه :
أحدهما إن هذا
تفسير جماهير السلف من الصحابة ومن بعدهم
حتى الفقهاء الذين قالوا لا يمس
القرآن إلا طاهر من أئمة إذنه صرحوا بذلك
) اهـ .عمدة الفقه 1/383
ويؤكد ابن تيمية هذا المعنى ناقلا قول
حبر الأمة وترجمان القرآن سيدي وجدي
عبدالله بن عباس – رضي الله عنهما – أن
الملائكة تنسخ من اللوح المحفوظ وأن
النسخة لا تكون إلا من أصل ، فيقول – رحمه
الله - :
(ولهذا قال إبن عباس فى قوله ( أنا كنا
نستنسخ ما كنتم تعملون )
إن الله يأمر
الملائكة بأن تنسخ من اللوح المحفوظ ما
كتبه من القدر ، ويأمر الحفظة أن
تكتب أعمال بنى آدم ، فتقابل بين النسختين
فتكونان سواء ثم يقول ابن عباس : (
ألستم قوما عربا ،
وهل تكون النسخة إلا من أصل . ) اهـ
كتب ورسائل ابن تيمية في التفسير 12/387
ثم يقول ابن تيمية – رحمه الله –
الذواق لكلام الصوفية وعباراتهم وإشاراتهم
كلاما جميلا يضمنه أن اللوح المحفوظ لا
يمسه إلا بدن طاهر ، لاحظوا دقة ألفاظه –
رحمه الله – فهو يقول ( بــدن ) ، وذلك في
قوله :
( فالذى تسميه الفقهاء قياسا هو الذى
تسميه الصوفية إشارة ، وهذا ينقسم الى
صحيح وباطل كانقسام القياس إلى ذلك فمن
سمع قول الله تعالى : (لا يمسه الا
المطهرون ) وقال : إنه اللوح المحفوظ أو
المصحف فقال : ( كما أن اللوح المحفوظ
الذى كتب فيه حروف القرآن
لا يمسه الا بدن
طاهر) ، فمعانى القرآن لا يذوقها
الا القلوب الطاهرة وهى قلوب المتقين كان
هذا معنى صحيحا واعتبارا صحيحا ، ولهذا
يروى هذا عن طائفة من السلف قال تعالى ؛
(ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين)
قال : هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين
، وقال : يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل
السلام ، وأمثال ذلك ، وكذلك من قال :لا
تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا جنب
فاعتبر بذلك أن
القلب لا يدخله حقائق الايمان اذا كان فيه
ما ينجسه من الكبر والحسد فقد أصاب
. ) اهـ كتب ورسائل ابن تيمية في التفسير
13/242
وأكتفي بهذا من كتب الإمام ابن تيمية –
رحمه الله - .
___________________________________________________
ثانيا : عقيدة
سلطان العلماء الإمام العز بن عبدالسلام :
أما سلطان العلماء الإمام الأصولي
الشافعي العز بن عبدالسلام فيقول صراحة في
كتابه ( قواعد الأحكام في مصالح الأنام )
بأن هنالك من يطلع على اللوح المحفوظ
ويقرأ ما فيه ، قال ذلك وهو يتكلم عن
أصناف العلوم وذكر منها صنفا يمنحه الله
الأنبياء والأولياء بأن يخلقها الله فيهم
ضرورة كما قال – رحمه الله - ، وقد بين
ذلك في قطعة صوفية راقية يحتاج الواحد منا
إلى تخلية ثم تحلية القلب والذهن حتى
يستطيع أن يدرك بعض معانيها ، إذ يقول –
رحمه الله وطيب ثراه - :
(الضرب الثاني : علوم يكشف بها عما في
القلوب فيرى أحدهم بعينيه من الغائبات ما
لم تجر العادة بسماع مثله ، وكذلك شمه
ومسه ولمسه ، وكذلك يدرك بقلبه علوما
متعلقة بالأكوان ، وقد رأى إبراهيم ملكوت
السماوات والأرض .
ومنهم من يرى الملائكة والشياطين
والبلاد النائية بل ينظر إلى ما تحت الثرى
، ومنهم من يرى السماوات وأفلاكها
وكواكبها وشمسها وقمرها على ما هي عليه ،
ومنهم من يرى اللوح
المحفوظ ويقرأ ما فيه ، وكذلك يسمع
أحدهم صرير الأقلام وأصوات الملائكة
والجان ويفهم أحدهم منطق الطير.... فسبحان
من أعزهم وأدناهم وأذل آخرين وأقصاهم (
ومن يهن الله فما له من مكرم ) إن الله
يفعل ما يشاء . ) اهـ قواعد الأحكام في
مصالح الأنام 1/119
صدقت والله يا سلطان العلماء :
فسبحان من أعزهم
وأدناهم وأذل آخرين وأقصاهم ( ومن يهن
الله فما له من مكرم ) إن الله يفعل ما
يشاء .
وليس أوضح من هذا الكلام فلا نحتاج أن
ننقل عنه غيره .
والحلقة الثانية تكون - إن شاء الله -
مع الإمامين الجليلين شارحي البخاري ومسلم
ابن حجر والنووي – رحمهما الله – ثم
البيضاوي والقرطبي - رحمهما الله -
فارتقبونا – يرحمنا ويرحمكم الله - .
هذا ، ولست أقول ما أقول نصرة للنفس ،
بل نصرة للحق ، فإن أصبت فبتوفيق الله وإن
أخطأت فبذنوبي وتقصيري ، وأنت أخي القارئ
: إن تجد عيبا فسد الخللا **** جل من
لاعيب فيه وعلا .
وأكرر مستعد أن أعترف بأخطائي أمام
الملأ إن كنت مخطئا ، ولن أستحيي من ذلك
أبدا ، فهل المخالف بنفس الروح هذه ؟
أخبرنا الصادق المصدوق - صلى الله عليه
وسلم - في الحديث الصحيح الذي رواه
البخاري بإسناده عن عبد الله بن عمرو بن
العاص - رضي الله عنهما - قال سمعت رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( إن
الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من
العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى
إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا
فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ) .
والحمدلله رب العالمين ،،،